كيف تبني شركة أو مؤسسة عملاقة؟ أولا: الحوكمة و العمارة

يكثر الجدل بين رواد الأعمال الشباب و بين المدراء التنفيذيين عن كيفية إدارة الشركات بشكل عام. و تمر الشركات الناشئة في طور نموها بمراحل عدة وصولا لطرح أسهمها بالبورصة و ربما تعيين مدير تنفيذي خبير بعوالم الشركات الكبرى و التعامل مع ممثلي المُلاك الجدد.
ينجح القليل في الوصول بشركتهم الناشئة إلى أن يتملكوا شركة كبرى عملاقة. و من بين هؤلاء القلائل، عددا أقل يتمكن من الحفاظ على مقعده كمدير تنفيذي في الشركة التي أسسها بنفسه، و الأمثلة هنا كثيرة.  ستيف جوبز مؤسس آبل تم الإطاحة به من الشركة التي أسسها 1976 في العام 1985.
لذا نعرف أنه ثمة حاجة ملحة لتناول أفكار إدارة الشركات العملاقة و الكبرى، و هيكلها.  ونرى أن مواضيع مثل:  المؤسسية والحوكمة و آلياتها مثلا، بجانب مواضيع الإدارة التقليدية، تفيد المبادرين في خطواتهم الأولى. لأنه وحدها تلك الأفكار تمكن المبادرين من بناء مؤسسات صلبة تنمو بثبات و تنضح بسرعة، و تؤهلهم من وقت مبكر لما سيواجهونه من عقبات.
نعرض في هذه السلسلة من المقالات أفكارا تأسيسية للفكر المؤسسي، و آليات العمل المؤسسية المتعارف عليها عالميا في الشركات و المؤسسات بشكل عام.  و نركز في أجزاء لاحقة على نموذج النضوج و القدرة للمؤسسات و تقييم كفاءة الأفراد كمثال عام.  سنستخدم الإشارة المباشرة و العملية لمعايير عالمية متعارف عليها، أو فيديوهات توضيحية كلما أمكن لتبسيط تلك المبادئ.
وعلى مدار الأسابيع القادمة، سنحاول تناول أمثلة عملية مباشرة لتلك الأفكار التي تصنع شركة عملاقة و تديرها. تمثل هذه النماذج و الأفكار العقدة الأساسية للانتقال  من حالة شركة رائدة جديدة إلى مؤسسة ناضجة و شركة عملاقة. و نظن أن أولئك الذين يودون أن يبنوا صرحا عملاقا، لابد أن يملكوا الرؤية و الأفكار التي تمكنهم من وضع اللبنات السليمة من اول لحظة في تأسيسهم للمشاريع و الشركات.
في هذا الجزء الأول نتعرض فقط لمفهوم الــ “حوكمة”  كمفهوم إداري، ثم نعرض في الجزء التاني لنموذج القدرة و النضوج، وهي طريقة نظر في المشاريع تؤهلك كرائد أعمال لتخيل مراحل المشروع و أهدافه المرحلية… فلا تتعجل نهاية مرحلة قبل استيفاء ما يؤهلك للانتقال بمشاريعك المختلفة داخل الشركة الواحدة، أو بالشركة كلها ككل… لمرحلة نضج أعلى.  ثم في أجزاء لاحقة سنناقش الهيكل التنفيذي لشركات كبرى كمثال على أربعة نماذج إدارية متعارف عليها دوليا، و ربما نتطرق في محطات متفرقة لكيفية إدارة الانتقال بين هذه النماذج و أنماط الإدارة و الحوكمة في كل نمط.

أولا: مفهوم الحوكمة
التعريف
هو قواعد النظام الذي يحكم العمليات و الأعمال التي تنظم بها المؤسسة أو الجماعة عملها.  و الحوكمة تعني ضمنا موازنة توزيع قوى القرار و المصالح بين الأعضاء، و الملاك، و الإدارة، و الموردين، و الممولين و المجتمع بشكل عام.
و الحوكمة بذلك تصبح الإطار الجامع للوصول لأهداف المؤسسة، و على ذلك تحتوي كل علوم الإدارة من التخطيط إلى التنفيذ و قياس الأهداف و إنهاء أعمال المؤسسة.
يمكن الاستعانة بالفيديوهات القصيرة المبينة في آخر المقال، و كذلك الفيديو التالي مبسطا عن المفهوم التأسيسي للحوكمة:

 

 

ما الفرق بين الحوكمة و الإدارة؟
الجسم الحاكم في الشركة هو مجلس الإدارة. يقوم مجلس الإدارة بالتركيز على الصورة الكبرى الكلية، و يحدد القيادة و الاستراتيجية التي ستتبعها الشركة ككل. الحوكمة تهتم بالتخطيط للانتقال من أوضاع إدارية مختلفة. على خلاف ذلك، فإن “الإدارة” تهتم بترتيب العمل نفسه، و العمليات (القيام بالعمل نفسه).  و بذلك فإن الجسد الحاكم (مجلس الإدارة) يبتعد تماما عن أعمال التشغيل اليومي، أو القرارات الإدارية التنفيذية.
أمر كذلك هو مساحة ضبابية في الشركات الناشئة عموما. ولكن كلما كبر حجم الشركة، تتضح الحدود بين مهام مجلس الإدارة و الإدارة التنفيذية للشركة ككل. بداية من إدارة المشاريع المختلفة للشركة، ثم حقائب البرامج التي تديرها الشركة و بها عدد من المشاريع، وصولا إلى “بورتفوليو” الشركة الذي يحتوي على عدد من البرامج المختلفة. يحدد مجلس الإدارة بذلك دفة البورتفوليو، و البرامج المختلفة، و ربما يتطرق لأهداف المشاريع لتحقيق أهداف الشركة الكبرى.
نماذج عملية للحوكمة

هناك نماذج متعارف عليها دوليا في “الحوكمة” على وجه الخصوص، تساعد أعضاء مجلس الإدارة في التخطيط بحكمة للقواعد و الأحكام الازمة و السياسات المجربة التي يمكن نهجها لقيادة شركة عملاقة. و بتلك النماذج العملية، يمكن لمجلس الإدارة و المدراء تحديد المسئوليات و العمليات و القواعد الازمة في بنية الشركة. تشمل تلك القواعد تفصيلات و مناهج للــ “حوكمة الرشيدة” و التي تعد في هذا الإطار مفهوما أكبر من مجرد الحوكمة لتشمل تحليل المخاطر و و التوافق مثلا.
لنأخذ مثالا عمليا، شركة ديلويت للاستشارات و التطوير ترشح الإطار الموضح أدناه و مصدره موقع الشركة الرسمي (المصدر).  وفيه بالنسبة لنموذج تفعيل الحوكمة هذا، يلزم خلق وحدات إدارية و اجتماعات و قواعد لحكم الهيكل، الرؤية العامة، المهارات و ثقافة الشركة، البينة التحتية، دور مجلس الإدارة، التوافق، هيكل التقارير، دور الإدارة و مسئوليتها، إدارة الكفاءة و الحوافز.  و يمكن الرجوع للمصدر للتفصيل المقترح في هذا النموذج.
المهم في هذا المقام، أن الشركات الكبرى تتبنى من البداية أحد النماذج كالمذكور أعلاه، و تحاول التأكد من أن الشركة تمتلك ما يلزم لقيادة شركة كبرى.

كورنال 1
حقوق الصورة: شركة ديلويت للاستشارات و التطوير2013

ثانيا: عمارة المؤسسة

التعريف:
العمارة هي الهيكل أو التصميم لنظام أو منتج. و يمكن أيضا قبول تعريف عمارة المؤسسة على أنها وصف مكونات المؤسسة و العلاقات بين تلك المكونات.  و على ذلك تصبح عمارة المؤسسة هي الوصف التفصيلي للمكونات الأساسية للمؤسسة، و طرق تواصل هذه المكونات لإنجاز المهمة الأساسية للمؤسسة.

و يقبل مفهوم “تطوير عمارة المؤسسة” ضمن نفس الإطار في طريق التحول من عمارة مؤسسية حالية لهيكل معماري مستقبلي. وبفهم الفرق بين الحوكمة و الإدارة أيضا، يستنتج المرء أن الانتقال من حيز أصغر للشركة، لحيز أكبر يلزمه تدبير مرحلة الانتقال تلك و الإعداد لها بحسب إمكانيات كل شركة على حدة.
تصف عمارة المؤسسات ثلاثة عمليات أساسية على الأقل، تعارف عليها عمارة المؤسسات:

1.    طريقة اتخاذ القرارات

تختلف طريقة اتخاذ القرار بحسب هيكل المؤسسة و تشكيل إدارتها. فمثلا مجلس مشكل من تقنيين تنفيذيين القرار فيه للمختص فنيا، و مجلس له رئيس فني قد يكون القرار فيه للرئيس منفردا.
مثال ذلك التنوع:
•    قرار تنفيذي فردي أم قرار من لجنة إدارية
•    لجنة إدارية مكونة من تنفيذيين
•    فرق عمليات مختلفة مكونة من أعضاء متساويين
•    مديري فرق إدارية و تقنية مختلفة تشكل لجان
•    مجلس إداري أعلى
•    لجنة عمارة مؤسسية
•    لجان متخصصة في عمليات المؤسسة بأنواعها

2.    وسائل “ضبط العمليات”  Alignment

يلزم تواصل العمليات و الفرق الإدارية المختلفة بشكل دوري، و ذلك للتأكد من الاستغلال الأمثل للموارد على مستوى المؤسسة، و للتنسيق فيما بين وحدات المؤسسة المختلفة بشكل دوري. و على ذلك يلزم قياس العمليات الفاعلة و إخطار الشركاء الداخليين على الأقل في اجتماع دوري (اجتماع ضبط العمليات) و بحيث تصل المعلومات بشكل تشاركي بين الإدارات المختلفة.
ومثال ذلك:
•    متابعة و قياس المشاريع و الموارد بشكل مستمر
•    متابعة الاتفاقات و تنفيذها
•    متابعة القيمة المنتجة من المؤسسة
•    متابعة تواصل الفرق و الوحدات و العمليات المختلفة

3.    وسائل التواصل وقنواته

لكل وحده إدارية طريقة أو طرق للتواصل معها. تقرر عمارة المؤسسة آلية التواصل إن وجدت مع أحد هذه الوحدات. قد يكون مثلا هناك وسيلة تواصل واحدة لا غير عن طريق بريد إلكتروني مثلا، أو عن طريق إعلان دوري بشكل شخصي. و الهدف هو أن تصبح آلية التعامل مع المشكلات و المبادرات المختلفة قياسية و قابلة للتكرار و المتابعة و القياس في المؤسسة الواحدة.
مثال ذلك:
•    إعلان من إداريين المؤسسة بشكل دوري و شخصي
•    إعلان من مكتب معلوماتي للمؤسسة
•    إعلان على “إنترانت” أو وسيلة تواصل شبكي أخرى
•    قنوات التواصل بين الفرق المؤسسية المختلفة

التخطيط لبناء هيكل مؤسسي  يعتمد بالأساس على عمليات قياسية يمكن تكرارها في إطار جغرافي أو تقني بعينه، أو على اندماج هذه العمليات بقدر ما. و يمكن اتخاذ أحد الأطر “التنفيذية” كنموذج لهيكل عام لمؤسسة، كما هو موضح هنا:
كورنال 2

و بحسب الموضح في ذلك الجدول، فإن المؤسسات تنتقل بين الأربعة نماذج الموضحة بحسب نموها و النموذج الأفضل لعمل كل شركة. فمثلا سلسلة من الفنادق ستميل إلى نموذج التكرار بحيث يكون كل فندق في كل نطاق جغرافي نسخة طبق الأصل في عملياته الإدارية و تلاحمها من نظيره في دولة أخرى. بينما شركات الطيران ستكون أميل لأن تكون واجهة التعامل مع الجمهور مركزية و أن يكون تكامل البنية التحتية و العمليات الإدارية في أعل حالاته.
ستقرر أنت كصاحب شركة ناشئة، أن تقرر مثلا أن يتم تكرار وحدات الأعمال بنفس شكلها في نطاق جغرافي، أو أن تخدم عملائك بوحدات اعمال مختلفة لكل واحدة منهم هدفا بعينه على أن يتكامل كل ذلك. ولكن مع النمو من شركة ناشئة لشركة كبرى، ستبدأ في حساب الموارد لضمان عدم تكرار نفس العمل. تخيل أنك تبني إمبراطورية… وليس مجرد شركة. ستحتاج أن تطمئن أن إقطاعيات الإمبراطورية لا تعيد نفس العمل، و ربما تنتج نفس العمل، أو تهدر الموارد… فكيف ستخطط لذلك؟
ستحتاج بداية لأن تعرف كيف تدار هذه الشركات الكبرى حاليا، البنوك، الفنادق، شركات السيارات… مطلوب منك أن تركز على الصورة الكبرى: كيفية تقسيم الأعمال العظيمة تلك، لوحدات أعمال تعمل سويا بغير تكرار غير مفيد، و بسرعة لخدمة عملائك.
بإمكانك الاستزادة من “عمارة المؤسسات”، من مراجع مختلفة.
 مرجع أساسي: عمارة المؤسسات كاستراتيجية
مصادر أخرى: ecoDa

سنفرد لاحقا لكل شكل من الأربعة من أشكال المؤسسية مقالا مفصلا. و سندرج مع الأمثلة العملية من الشركات العالمية،  كيف انتقلت الشركات في خلال طور نموها بين هذه النماذج مثل تويوتا مثلا، و بذلك تملك أنت الرؤية التي تحتاجها لبناء شركتك في خلال السنوات القادمة، و هذا ما يهمنا.

في المقال القادم سنركز بشكل مباشر على “تقييم” المؤسسة الحالية لمعرفة وضعها و وضع عملياتها القائمة فعلا بحيث يمكن ربط الشركة أو المؤسسة بأحد النماذج المتعارف عليها، و من ثم يمكن التخطيط للمستقبل. ثم نقوم بشرح كيفية  بتحليل مدى “نضوج” المؤسسة و عملياتها المختلفة، كأساس لتطوير ما هو قائم فعلا، و هو الأساس الذي يمكن البناء عليه لمديري المشروعات مثلا.  و سنحتاج أيضا  أن نعرض إلى كيفية تقييم أفراد المؤسسة جميعا بحسب إمكانياتهم، لتطوير قدرات الموارد البشرية بالمؤسسة بشكل مخطط له تلقائيا.

فيديوهات مرشحة للمتابعة
فيديو1
فيديو2
عن تاريخ الحوكمة
عن الحوكمة الجيدة و فشل المؤسسات

هذا المقال من إعداد فريق التحرير في شركة InnovEngine

شارك الآن

فريق التحرير في شركة InnovEngine

المزيد من المقالات أو الأخبار بواسطة فريق التحرير في شركة InnovEngine

مواضيع متعلقة

اكتب تعليقاً