الشركات الناشئة في دول إفريقيا بين الطموحات والتحديات

تطمح غالبية الدول الإفريقية الآن في تنويع مصادر الدخل والبحث عن سلع وخدمات جديدة تساهم في تحسين مستوى المعيشة لدى الأفراد وتعزيز التنمية الاقتصادية. وتعد الشركات الناشئة، التي حققت عائدات مادية كبيرة لأصحابها من رواد الأعمال، إحدى الوسائل الهامة في سبيل تحقيق هذه الأهداف التنموية باعتبارها مفتاحًا للنمو الاقتصادي وتمتلك قدرات هائلة لم تُستغل بعد لدفع القارة الإفريقية إلى مرحلتها المُقبلة من التنمية.

ويُنظر اليوم إلى ريادة الأعمال باعتبارها واحدة من أكثر الأدوات التي تساعد في تهيئة فرص عمل جيدة في القارة الإفريقية لتحقيق مستوى معيشي لائق لأفرادها. ففي الوقت الذي تبلغ فيه البطالة معدلات مثيرة للقلق خاصة بين الشباب ممن هم في سن العمل (15-24) والذين يشكلون حوالي 37% من السكان في ظل الاضطرابات السياسية وعدم وجود خطط شاملة في العديد من الدول الإفريقية، يضطر الأفراد لبدء مشروعات صغيرة تحقق دخل مناسب لهم ولأسرهم.

دور الشركات الناشئة في دعم اقتصادات دول إفريقيا

إن مفتاح التنمية الناجحة في أفريقيا هو تعزيز ثقافة ريادة الأعمال والشركات الناشئة والتي بدورها تساعد في تحويل التحدي المتمثل في زيادة النمو السكاني لفرص وإنجازات هائلة. وأصبح نجاح الثورة الصناعية الجديدة في أفريقيا أمرًا بالغ الأهمية.

ووفقًا للتوقعات، فإن إفريقيا تمتلك إمكانات عالية لريادة الأعمال لم تُستغل بعد. وكما ورد بالإحصاءات في 18 بلد إفريقي، فإن 11% من السكان، في سن العمل، أنشأوا شركاتهم الخاصة لتحقيق مصدر دخل مستقل ويعد هذا المستوى أعلى قليلًا من البلدان النامية في قارات أخرى مثل أمريكا اللاتينية (8%)، وآسيا (5%). لكن فئة قليلة من هؤلاء الرواد يطمحون للاستثمار في القطاعات ذات النمو المرتفع مثل الزراعة والبناء أو إدخال منتجات جديدة للسوق وتوظيف المزيد من العمال.

ومن الأهمية بمكان أن ندرك أن القارة الإفريقية تتألف من 54 بلدًا ذات كيانات اقتصادية مختلفة بدرجة كبيرة ومجموعة واسعة من التحديات والفرص الاجتماعية والاقتصادية. ففي الفترة ما بين عامي 2010 و 2015، تراجعت معدلات النمو الاقتصادي في أفريقيا من قبل مجموعتين من الاقتصادات الأفريقية وهي البلدان المصدرة للنفط والتي تأثرت بانخفاض الأسعار العالمية للنفط (الجزائر- أنغولا- تشاد- الكونغو- غينيا الاستوائية-غابون- نيجيريا- السودان) والبلدان المتضررة في أعقاب الربيع العربي (مصر- ليبيا-تونس).

وكما جاء في تقرير مؤشر ريادة الأعمال العالمي (2018) والذي يستند إلى تحليل 14 مجال من المجالات التي تعتبر أساسية في تقييم نوعية البيئة التي تعمل فيها المشاريع الناشئة، تحتل تونس المركز الأول من حيث تحسين نوعية بيئة الأعمال الريادية ويعود ذلك إلى توافر رأس المال العام والخاص (رأس المال الاستثماري) بنسبة 70% وأسباب رئيسة أخرى مثل القدرة على تطوير منتجات جديدة ودمج تكنولوجيات جديدة وجودة رأس المال البشري في كل من قطاع الأعمال، والتكنولوجيا، والعلوم، والهندسة، والرياضيات.

أما عن دول إفريقيا الأخرى التي تحتل ترتيبًا في نوعية بيئة المشاريع الريادية، فتأتي بوتسوانا في المركز الثاني، وجنوب أفريقيا في المركز الثالث، ونامبيا في المركز الرابع تليها المغرب في المركز الخامس ثم مصر في المركز السادس تليها دول الجزائر، ورواندا، وغانا ونيجيريا على الترتيب.

أبرز التحديات التي تواجه ريادة الأعمال النسائية في إفريقيا

وفقًا لإحصاءات البنك الدولي، تمتلك إفريقيا أعلى معدل من الشركات الناشئة التي تديرها سيدات على مستوى العالم. ومع ذلك، لا تزال المرأة في إفريقيا تواجه تحديات فريدة من نوعها على الرغم من دخولها بقوة في مجال العمل الريادي ورغبتها في الهيمنة على السوق الإفريقي بشكل ملحوظ وهذه التحديات تعود في الأساس لجنسها الذي يضع أمامها عقبات تاريخية، واجتماعية، وثقافية ومادية.

وتأتي مشكلة الحصول على مصدر للتمويل في مقدمة هذه التحديات بالرغم من أنها قضية العديد من أصحاب الشركات الناشئة لكنها أكثر وضوحًا لرائدات الأعمال نظرًا لما يقع عليها من عبء في جذب انتباه الممولين لأفكارهن وأنها تستحق الاستثمار. وتعاني المرأة الإفريقية أيضًا من نقص الخدمات التي تقدمها المصارف، وأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين الآخرين وربما يعود ذلك إلى أن صناع القرار في الجهات العليا أغلبهم من فئة الرجال الذين من المحتمل أن يكون لديهم تحيز غير مُبرر ضد المرأة.

ولعل الافتقار إلى شبكة دعم من أجل اتخاذ قرارات حكيمة وتجنب الأخطاء هو واحد من أصعب التحديات التي تواجه النساء من أصحاب الشركات الناشئة في القارة الإفريقية. فنمو العمل الريادي يتطلب اتخاذ قرارات مستمرة ومن الأسهل بكثير لأصحاب الأعمال من الرجال أن يجدوا من يساعدهم في إرشادهم للوجهة الصحيحة في أي مجال تقريبًا وتوسيع دائرة علاقاتهم بخلاف المرأة التي تعمل في شبكة علاقات محدودة ومقتصرة على نوع محدد من المجالات.

توصيات مُقترحة لضمان نجاح الشركات الناشئة على المدى الطويل في أفريقيا.

بالإضافة إلى التحديات السابق ذكرها في ريادة الأعمال النسائية، هناك العديد من العوائق أمام الشركات الناشئة في البلدان النامية. وتعتبر أفريقيا مثالًا بارزًا في هذا الصدد حيث يتعين على أصحاب المشاريع الأفارقة مواجهة بعض من الظروف القاسية كما هو الحال مع مختلف دول العالم.

وتتمثل أبرز هذه التحديات في البنية التحتية التي تعد إطارًا أساسيًا للتنمية الاقتصادية مثل الحالة الجيدة للطرق، وإمدادات الطاقة من الغاز والوقود، ومرافق النقل مثل السكك الحديدية والممرات المائية وكلها أمور غير متوافرة إلى حد كبير في معظم دول أفريقيا. فعلى سبيل المثال، يؤدي الانقطاع المستمر للتيار الكهربي في بعض بلدان القارة إلى تلف المعدات وانخفاض الإنتاجية وفي الوقت نفسه فإن الاعتماد على المولدات الكهربائية يعد أكثر تكلفة.

ومن المتوقع أن يكون رواد الأعمال هم الفاعلين الرئيسيين في رحلة إفريقيا للثورة الصناعية الرابعة. وهنا يظهر دور الحكومات الإفريقية في تشجيع ريادة الأعمال وإدراجها في قائمة السياسات المحلية من أجل تحقيق نمو اقتصادي قوي وينبغي لواضعي السياسات إعطاء الأولوية للعملية التعليمية، وتكنولوجيا التعليم الصناعي والتدريب المهني في سبيل تلبية احتياجات سوق العمل من خلال تعزيز المهارات الوظيفية والقدرات الإدارية. وينبغي للخطط الاستراتيجية أيضًا اعتماد التصنيع الأخضر لخفض الآثار المحتملة من انبعاثات الكربون على البيئة. ويعد الاهتمام بنظم التعليم أمر بالغ الأهمية لمواكبة الموجة الجديدة من التصنيع في أفريقيا.

وبالحديث عن الدعم المادي لهذه المشروعات، فلابد أن تضع الخطط المالية في اعتبارها زيادة قدرة الشركات على الوصول إلى مصادر التمويل وتقديم خدمات مالية رقمية مبتكرة لرواد الأعمال مع توفير قروض ائتمانية بعائد معقول كما ورد بالمنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ونظرًا لما يساهم به قطاع المشاريع الريادية بشكل كبير في خلق فرص العمل، ونمو الأعمال التجارية، وزيادة معدل الإيرادات والاستثمار مما يعود بالنفع على الناتج المحلي الإجمالي، تحتاج الحكومات الإفريقية إلى تقليل القيود المفروضة على رواد الأعمال وينبغي لها أن تتخذ خطوات واسعة في دعم ومساندة وتمكين أصحاب المشاريع الذين يشكلون فئة عظمى من التداولات التجارية في البلاد. وعلى هذه الحكومات توفير بيئة تجارية مواتية تعزز بدرجة كبيرة روح المبادرة وتحسين ظروف أصحاب المشاريع.

هكذا استعرضنا أبرز ملامح الشركات الناشئة وأثرها على اقتصادات إفريقيا ويجدر بنا السؤال، هل يمكن حقًا لرواد الأعمال تغيير الطريقة التي يعيش ويعمل بها سكان القارة السمراء؟، نعم.. بالطبع.. شرط أن تثبت ابتكاراتهم نجاحها في تحسين مستوى المعيشة وخلق فرص عمل وظروف مواتية لإقامة مجتمع مزدهر في شتى مناحي الحياة.  وهذا هو المتوقع من الشركات الناشئة في المجتمعات الإفريقية التي يقدم أصحابها منتجات في شكل سلع وخدمات جديدة تهدف لتعزيز التنمية الاقتصادية من خلال تحفيز الأعمال التجارية أو القطاعات ذات الصلة في دعم هذا المشروع الجديد.

شارك الآن

فريق التحرير في شركة InnovEngine

المزيد من المقالات أو الأخبار بواسطة فريق التحرير في شركة InnovEngine

مواضيع متعلقة

اكتب تعليقاً