كيف تبني شركة أو مؤسسة عملاقة؟ ثانيا: نضج القدرة و إدارة النمو

تمر الشركات في العموم، و كذلك “العمليات” بالشركة بخمسة مراحل مختلفة. في كل مرحلة من تلك يتعين على مدير المشروع، أو الجسد الإداري التركيز على أمور بعينها بغية النمو بشكل مستمر.

لذلك يتعين بداية تقييم الشركة ووضعها الحالي لمعرفة أين تقف بالضبط من المستقبل المأمول. و يتعين “قياس” نضج الشركة أو المشروع أو أحد العمليات بأحد المشاريع، قبل تطويره. في هذا المقال نعرض سريعا لــ “نموذج نضج القدرة” و هو النموذج المستخدم إداريا في تقييم المؤسسات و المشاريع، و نعرض مثال عملي على تنفيذه.

في مقالات لاحقة، نمر على نماذج تقييم متخصصه مفصلة و التي تستخدمها المؤسسات الكبرى. ولكن للشركات الناشئة، يكفي أن يعي المبادر أن هذه المبادئ هي الأساس للــ “حكم” بمؤسسة عملاقة.

أولاً: نموذج نضج القدرة في المؤسسات

مقدمة وتطبيقات عالمية

بحسب ويكيبيديا: “نتائج الحالات العملية لتطبيق نموذج نضج القدرة في الكثير من الشركات العالمية تدل على الفوائد الحقيقية المترتبة فمثلاً كان تأثير تطبيق هذا النموذج على شركة بوينغ هو تخفيض متوسط كلفة حل المشكلات البرمجية بنسبة 33%، وزيادة نسبة النجاح في تنفيذ مشروعات شركة جنرال موتورز من 50% إلى أكثر من 95%، وتوفير أكثر من مليوني دولار نتيجة الكشف المبكّر عن الأخطاء والثغرات البرمجية في شركة سانشيز للحواسيب، وكذلك حصول شركة نورثروب غرومان على تقدير استثنائي في العقود كلها التي أجرتها مع زبائنها”

هذا النموذج هو مجرد خطوط عريضة ليست تفصيلية تتحدث عن مستويات مختلفة للنضج، فما هي؟

بحسب النموذج: تمر المؤسسات و العمليات بها،  بخمس مستويات في اطار تطورها نحو النضج المؤسسي. و تلتزم الحوكمة  بتقييم عمليات المؤسسة كاملة بحسب نماذج تفصيلية، و يحدد عن طريقها أي مستوى تقع العمليات الحالية و ما المطلوب لنقل تلك العملية للمستوى التالي.  ناقشنا سابقا الخطوط العريضة للحوكمة في مقال سابق (رابط). الصورة التالية توضح تلك المستويات و خصائصها.

 

خصائص مستويات النضوج و القدرة

7

المستوى الأول: البدائي

حيث تنشأ العمليات كرد فعل للمتغيرات الحاصلة في المؤسسة أو في محيطها. يحمل التغيير “بطل” كفرد أو مجموعة، و تتميز العمليات بأن نتيجتها غير متوقعة، و غير متحكم بها، ولا يمكن قياس مدى نجاحها من عدمه في تحقيق الأهداف الأساسية لها.
التحدي الأكبر في هذه المرحلة هو الوصول لإدارة واضحة، و تخطيط واضح للمشروعات، و هيكل بسيط للمتفاعلين مع العملية خارجيا، و داخليا. و تتسم بالضرورة بالعشوائية الإدارية.

يدير هذه المرحلة بفريقك من يتمتعون بروح المبادرة، أو القيادة و الالتزام. تحتاج شخص يجيد تجميع الكفاءات و ترتيبها و متابعة العمل في أول خطواته. دوره في ذلك تماما كدورك في تأسيس شركة جديدة، ولو كان كل عمله تشكيل “العملية” الإدارية التي ستؤثر في المنتج النهائي لشركتك.

 

المستوى الثاني:  قابل للتكرار كرد فعل

تحصلت المؤسسة على الكفاءات اللازمة للتفاعل مع المتغيرات. ولكنها لا تزال تعمل كرد فعل. تبدأ المؤسسة في فرض عمليات قياسية على العاملين، و عمليات إدارة المشروعات المتعارف عليها: كوجود موعد متوقع لإنهاء المهمات، أو مستوى أدنى بعينه للكفاءة.  لا تفرض هذه الشروط كقواعد ملزمة، ولكن تصبح “المتعارف عليه” في المؤسسة وفي تعاملاتها.

في هذه المرحلة، تحتاج أن تبدأ في فصل التشغيل عن الإدارة. و يصبح هدفك أكثر من مجرد تسيير العمليات، و إنما التعرف على كم الإنتاج الأمثل من كل عملية و كل شخص بشكل تقريبي.

أيضاً في هذه المرحلة ستحتاج أن تدعم “الأبطال”، حتى يخرج من بين نفس الفريق أو العملية أشخاصاً جدد يحملون المسئولية، و يتفرغ “المبادر” الذي استعنت به في المرحلة السابقة لمهمة أخرى.

 

المستوى الثالث: موثق و متوقع

تبدأ المؤسسة في توثيق عملياتها كتابة، و يمكن توقع تنفيذ العمليات بدقة. يمكن أيضا تحديد الوقت المطلوب و الكفاءة المطلوبة للعمليات بدقة. تتسم العمليات ابتداءً من هذا المستوى بالنضج في حل المشكلات، و تقييم ابتدائي للكفاءة بشكل دوري.

تصبح المؤسسة و عملياتها “مبادرة” في حل المشكلات، و يمكن خلق فرق عمليات بسرعة كفاءة استناداً لما تم توثيقه وتحصيله من نظام إداري في المراحل السابقة.

هذه المرحلة التي تبدأ فيها بإدارة الإدارة، أو بالحوكمة. لا يكفي فقط أن تدار العمليات و إنما يلزم رقابة على جودة المنتجات و الالتزام بشكل عام في تنفيذ القرارات، و تجري متابعة مستمرة و دورية للإنتاج بشكل عام.

ستحتاج أن تقوم بتعيين مسئول عن “الجودة” و ربما آخر مسئول عن متابعة التزام العاملين. الآخر ربما يستعين بطرق كمية أو إحصائية بمعاونة محلل بيانات. أما الأخير، فتحتاج شخصا أو إدارة لا تربطها أي علاقة شخصية بالعاملين، وربما لا يتقاطع عملهم مطلقا، بذلك تضمن المؤسسية أيضا في الرقابة على الأعمال في مجملها.

هدفك في هذه المرحلة غالبا سيكون تخفيض النفقات لزيادة الربح بشكل عام، و إحكام جودة المنتج الأساسي لشركتك قبل النمو. النمو يحتاج لإحكام لأدق التفاصيل سواءا بجودة المنتج أو بعمليات تطويره. و بعد ذلك، تبدأ في تطبيق مبادئ عمارة الشركات التي تحدثنا عنها مبسطا في مقال سابق (رابط).

 

المستوى الرابع: الإدارة الكمية

ترتكز المؤسسة على الإحصائيات الواضحة و البيانات المؤكدة من الرقابة على كل العمليات. و يصبح النموذج الإداري السائد هو القرار استناداً لمعلومات كمية واضحة. تمثل المعلومات معايير قياس جودة و كفاءة الأفراد و العمليات.

وعلى ذلك تهتم الإدارة في ذلك المستوى بإدارة الموارد و الطاقات البشرية. و تظهر الأهمية نماذج متابعة القدرة البشرية للمؤسسة و لعملياتها بشكل منفصل.

تصل المعلومات التي يتم تجميعها إلى مستهلكيها الداخليين كالإداريين أو التنفيذيين بشكل دوري، ولكن ربما تفتقر “الآنية”.

في هذه المرحلة، تحتاج مدير تنفيذي و محللين بيانات و متابعة ذكية لأدق الإحصائيات عن شركتك و إدارتها للموارد. الآن بحسب ما يرد إليك من تقارير تعرف أدق تفاصيل الإنتاج، و بالإمكان تحديد سياسات الشركة و حجم الاعمال الأقصى، و بإمكانك حتى توقع منحنى النمو لشركتك.

في هذه المرحلة، يصبح اهتمامك الأساسي بتحليل آداء الشركة بشكل مستمر و دوري بغية التطوير بشكل دوري. ولكن ستفتقر للآنية في التعامل مع المتغيرات. البطل الذي تحتاجه في هذه المرحلة هو مدير تنفيذي يجيد التشغيل و إدارة الموارد، و ربما تتفرغ أنت للقرارات الاستراتيجية بناءاً لما يردك من معلومات عن الصورة الكبرى للمؤسسة.

 

المستوى الخامس: التحسين المستمر

تعتمد المؤسسة في قراراتها على المعلومات “الآنية” و المعلومات الدورية. و تركز على أن يسير كل شيء بشكل “تلقائي” و تشاركي أكثر بين الهرم الإداري و قواعده و بشكل مستمر.

يعتمد الإداريون على التحليل الدقيق للعمليات، و مواردها و نتائجها في سبيل التحسين المستمر و تدوين الشروط القياسية لتنفيذي العمليات، بما يسمح تكرارها و نمو المؤسسة بشكل عام و مستمر.

في هذه المرحلة، هناك وصف دقيق لكل عملية مكتوباً، و هناك قوانين و قواعد بالمؤسسة، و هناك إدارات داخل المؤسسة تُعنى بتغيير تلك القواعد. يصبح التركيز الأساسي لك في هذه المرحلة على “عمارة المؤسسة” و شكل تنفيذها للاعمال سواءا للنمو بشكل مستمر، أو لتحقيق عدد مختلف من الأهداف.

 

ثانيا: طريق عملي لتطبيق النموذج بحسب متطلبات المؤسسة

بحسب المنتجات و العمليات التي تقوم بها المؤسسة، يمكن تقسيم أعمال كل فريق أو وحدة أو عملية لتصبح مقسمة على خمسة مستويات مختلفة، بحسب المذكور أعلاه.

 

أولاً: التقييم

يتم التقسيم ابتداءاً بحسب مستويات القدرة (ما بين المستوى الأول إلى الخامس)
لرواد الأعمال و الشركات الناشئة:


 استخدم في ذلك حدسك في الرد على أسئلة مثل: هل أستطيع قياس كل شيء الآن؟ هل نعرف بالضبط كم الإنتاج في هذا الربع، الشهر، الإسبوع، اليوم، الساعة أو حتى الدقيقة؟ هل هناك وصف مكتوب لكل العمليات؟ ستجد أنك تعرف تقريبا في أي مستوى تكون شركتك أو “العملية” أو المشروع الذي تديره.

لأصحاب الشركات المتوسطة و الكبرى:
استخدم نماذج القدرة و النمو من الجهة المخصصة لذلك   مثل: CMMi Institute
وبحسب حجم شركتك، إما توكل الأمر لأحد موظفيك ليتدارس أحد النماذج و يحاول تطبيق بعض المبادئ لقياس ابتدائي، أو استعن باستشاري يحمل شهادة خبرة موثقة في الأمر، أو استعن بشركة استشارات متخصصة لعمل ذلك التقييم بشكل دوري.

تحمل النماذج المؤسسية تفصيلا لتقييم أدق المشاريع و العمليات بشركتك. و لكن لنفرض تبسيطا أنك قمت بتقييم شركتك بأي من الطرق السابقة بحسب مدى “نضوج” الشركة، كيف تعامل العمليات؟

ثانياً: متابعة العمليات و إطلاق عمليات جديدة

ثم يتم تحديد النشاطات المختلفة للعمليات، بحسب المرحلة التي بها العملية مثل:
للعمليات القائمة:

  • إدارة المعلومات
  • إدارة الموارد البشرية
  • إدارة الكفاءة
  • إدارة العلاقات الداخلية و الخارجية
  • إدارة التكنولوجيا
  • إدارة المخاطر

للعمليات الجديدة أو المقترح بدايتها:

  • إدارة التعاقدات (التفاوض، التقييم، تخطيط تجميع المعلومات، خلق الأدوار…)
  • إدارة تصميم العمليات و تطويرها
  • إدارة نقل الإدارة و الخدمات

لا يمكن القطع هل ستتشكل هذه المهام في شكل إدارات أو أشخاص، أو حتى تسند عدة مهام لشخص واحد. يحدد ذلك حجم و مدى نضج شركتك. ولكن تبقى الأفكار المؤسسة للعمليات كما هو مقترح تبسيطا، كخطوة أولى دائما.

ثالثاً: التقييم المستمر

يتم تفصيل هذه العمليات و اقتراح المستوى المنوط به. مثلا:  إدارة تقييم العمليات يتم تقسيمها إلى:

  • تقييم الأهداف – المستوى الثاني
  • تقييم الموارد وقياسها – المستوى الثاني
  • تقييم التوافق مع أهداف المؤسسة – المستوى الثالث
  • قياس مدى تحقيق الأهداف دوريا – المستوى الرابع
  • المقارنة مع عمليات مناظرة – المستوى الرابع
  • الوقاية من المخاطر أو المشاكل المتوقعة __ المستوى الرابع

 

و هكذا، يمكن تحديد المستويات بحسب العمليات المختلفة القائمة بالمؤسسة نفسها، و بما يناسب عملياتها.  أي أنه بحسب نشاط المؤسسة، هناك “نماذج” قياسية إدارية يمكن البدء منها للتخطيط للمؤسسة كلها و بما يتوافق مع نشاط المؤسسة و أهدافها و تعقيد عملياتها المختلفة.  مثال لإطار عمل في توريد الخدمات من المؤسسات

 

و يمكن النظر بتلك الرؤية للمؤسسة على أنها بناء من عدة طوابق يلزم استخدام لبنات مختلفة حتى يتم بناء الدور الأول (المستوى الأول)، ثم يتم الانتقال للمستوى الذي يليه و هكذا.  و في كل مستوى يلزم استيفاء اللازم من أدوات إدارية مؤسسية.

 

و يمكن بالتبعية النظر للمكونات الأساسية للمؤسسة على أنها هي تلك اللبنات و يلزم أن تصل لمستوى بعينه قبل أن تتقدم المؤسسة كلها. أي أن الوحدات والأفراد بشكل منفصل يلزم أيضا تقييمهم بنفس الطريقة.

مثلا: داخل الوحدات يتم تقييم كفاءات الأفراد على سلم من سبعة مستويات متعارف عليها إداريا ( متابع، متعاون، منفذ، مسهل، ناصح، مؤثر، ستراتيجي) حيث يمكن تسكين الأفراد بحسب كفاءتهم الفنية في كل لجنة أو عملية بحسب عدد من المقاييس المعيارية (ربما 100 مسألة فنية مختلفة) و ينتقل الفرد العامل من مستوى للتالي بعد إتمامه ما يلزم لكل مستوى. كأن يكون في البداية تابع لشخص آخر، ثم يكون مساعدا لزميل جديد، ثم ماهر بصناعته، ثم متخصص بالفن الذي يقوم به… و هكذا، حتى عمله بالاستراتيجيات و إلهام الآخرين في المؤسسة.

و مثال عملي  لذلك نموذج “صفيا” الفني

 

2

رسم توضيحي لــ مستويات نموذج صفيا الفني  السبعة

الخلاصة

عرضنا في هذا المقال و الذي سبقه(رابط) تلخيصا سريعا لمفاهيم إدارية مؤسسية عامة كالحوكمة و عمارة المؤسسات. وعرضنا أيضا طريقة لتقييم “مستوى نضج وقدرة المؤسسة” على خمس مستويات تمر بها المؤسسة في طريق نضجها. و أخيرا ذكرنا طريقة محددة لتقييم الأفراد على سلم من سبع درجات، يلحق تفصيله.

بالمفاهيم المبسطة التي تم طرحها هنا، يمكن بناء هيكل مؤسسي يملك بداخله مقومات النمو و التطور، ولكن يلزم التفصيل في مسائل عمارة المؤسسات و تشكيلها، و كذلك التقييم الفني للأفراد و الوحدات.

هذا المقال، يمتلك أهمية خاصة، لأن فكرة “المستويات” في النضج الإداري، لا تهم فقط المؤسسات الكبرى، ولكن تهم أيضاً أصحاب المشاريع الصغيرة. أولاً قم بالتركيز على إتمام العمل، ثم قم بالتركيز على أن تتوقع تقريبا حجمه و أن تثبت عملياته، ثم قم بالتركيز على أن يتحول كل شيء لــ “كم” يمكن قياسه بوضوح، ثم دع شركتك تنمو بينما تراقب الأرقام. ثم ركز على إحكام الجودة و تسجيل العمليات بشكل مكتوب وواضح و معلن بين أفراد فريقك. و أخيرا ابدأ ف الإدارة “الكمية” أو “الحسابية” استناداً للإحصائيات و تناول مسائل هيكل الشركة أو الفريق طوال الوقت و كذلك نضجها و تقييم كل شيء يمكنك تقييمه ما أمكن بموارد شركتك من أفراد أو إدارات.

 
هذا المقال من إعداد فريق التحرير في شركة InnovEngine

شارك الآن

فريق التحرير في شركة InnovEngine

المزيد من المقالات أو الأخبار بواسطة فريق التحرير في شركة InnovEngine

مواضيع متعلقة

التعليقات

1 تعليق

    • احمد طرشان

      هل هناك نسخة من هذا المقال باللغة الإنجليزية لتسهيل التعرف على المصطلحات والبحث عنها للإستفاضة.
      شكراً

اكتب تعليقاً