الأفكار والتفكير (السهل الممتنع)

هل نحن نفهم كيف نفكر؟ 
إن هذا السؤال يبدو وكأنه يحمل تعارضاً في طياته فعملية الفهم هي نوع من (التفكير)، مما يعني أنه قد تتم صياغته كالتالي: 
“هل نحن نفكر كيف نفكر؟” طبعاً إذا تمت صياغته هكذا يظهر كأنه قريب من قول الشاعر:
“كآننا والماء من حولنا قومٌ جلوس حولهم ماء)” 
أو قد يظهره بمظهر التساؤل (الحلقي أو الدائري) مثل سؤال: 
“أيهما جاء أولاً البيضة أم الدجاجة”

لكن المسألة ليست هكذا وهذا السؤال محوري بشكل كبير، لأن التفكير عملية تلقائية نقوم بها كبشر- أحيانا بشكل لا إرادي- لذلك لا يبذل الكثيرون منا جهداً في محاولة فهمه. بالطبع على مر العصور كان هناك أناس اهتموا بهذا السؤال, قد نسميهم فلاسفة أو مفكرين, وكان لكل منهم طريقة أو إجابة على هذا السؤال, لست هنا معنياً بتقييمها أو نقاشها. وظهرت بعض العلوم الطبيعية التي حاولت أيضاً الإجابة على هذا السؤال طبعاً أبرزها كان Neuroscience & Neurology وهما علمان يهتمان بوظائف الدماغ (من الطبيعي أنه لفهم التفكير سيتجه الباحثون لمحاولة فهم طريقة عمل الدماغ لأنه المكان الذي يحدث فيه التفكير)، وهذه العلوم على ما أحرزته من تقدم هائل خلال العقدين الماضيين، مازالت في أول الطريق. 

وكذلك مر علينا تصنيفات علمية واجتماعية ونفسية وإدارية لأنواع التفكير مثل التفكير المنطقي والتفكير التحليلي والتفكير الاستراتيجي والتفكير الإبداعي والتفكير المنظومي والتفكير العلمي وغيرها كثير، وكل نوع من هذه الأنواع يتم تحديده وتحديد آليات تطبيقه وممارسته من قبل من يؤلفون أو يبحثون في هذا الجانب أو ذاك من المعارف النفسية والاجتماعية والإدارية. وبالطبع مع كل نوع من هذه الأنواع يتسابق المدافعون عنه بأننا لو طبقنا هذا النوع من التفكير, فإنه ستحل كل مشاكلنا في المنطقة العربية, وأننا متخلفون لأننا لا نمارس التفكير (—–). بالطبع كل هذه الأنواع من التفكير مفيدة ومهمة للأفراد والمجتمعات والأمم, واستعمالها في الحالات المناسبة لها من الأمور الأساسية ليس للنهضة والحضارة فقط, بل للبقاء في هذه الحياة.

لكن الذي يشغلني بشكل كبير هو ما الذي يحدث حقيقة عندما نفكر بهذا الشكل أو ذاك، ما الذي يجعل الإنسان (نفس الإنسان) في نفس الموقف (لو تكرر) يفكر مرة بهذه الطريقة ومرة بطريقة أخرى. هل ما طرحه الفلاسفة والمفكرون مناسب لفهم عملية التفكير، أم نتجه للأخصائيين والأطباء النفسيين لكي نفهم عملية التفكير، أم ينبغي علينا أن نلتزم بما يقوله أخصائيو وعلماء وظائف الدماغ، أي إننا سنسلم بحتمية علم الأحياء في فهم طريقة تفكيرنا. لست أزعم أنني أملك إجابة محددة ونهائية (فما زلت أفكر في كيف أفكر)، لكن أولاً أنا ملتزم بحتمية علم الأحياء في تحديد الوظائف الخاصة بأي عضو أو جهاز داخل الجسم البشري، وعملية التفكير تحدث بشكل أساسي في الدماغ والجهاز العصبي للإنسان. لكن الدراسات والتجارب الخاصة بعلوم وظائف الدماغ لا تستطيع أن تجيب على الأسئلة الخاصة بفهم عملية التفكير في إطارها الاجتماعي, فأغلب التجارب تتم لشخص واحد, يتم رصد التغيرات في دماغه في حالات محددة من خلال أجهزة الرنين المغناطيسي، وهي إن كانت تجارب دقيقة ومحكمة علميا بشكل كبير، لكنها لا تستطيع تحديد الفوارق في عملية تفكيرنا إذا كنا في مجموعة من الناس، فمن الواضح أننا لا نفكر بنفس الشكل إذا كنا في مجموعة عما إذا كنا وحدنا، طبعا تختلف أيضا طريقة تفكيرنا إذا كانت هذه المجموعة موافقة لنا في الآراء أو مختلفة عنا.

رأيي أنه ببساطة عملية التفكير (التي يرى الكثيرون أنها أهم ما يميز الإنسان عن باقي المخلوقات) وأنا أتفق مع هذا لأنني أرى أن ما يميز الإنسان هو القدرة على اتخاذ القرار، والذي هو مبني بشكل أساسي على التفكير. لذلك في رأيي أن فهم عملية التفكير هو أساس لفهم ما يميزنا عن باقي المخلوقات وهو أمر مهم وليس بالسهولة التي نتمناها (أو نعتقدها) رغم أننا نمارسها باستمرار. لذلك كما هو مذكور في العنوان هي فعلاً السهل الممتنع، ومع هذا سنبقى نفكر ونستمر في التفكير وسنستمر في محاولة فهم كيف نفكر؟ ربما لاحقا سيأتي من يستطيع الإجابة على هذا السؤال بشيء من الحتمية، وحتى نصل لهذا, سواء في المستقبل القريب أم البعيد: تفكيراً سعيداً.

شارك الآن

م. هاني المنيعي

- مستشار التطوير الابتكاري والتسويقي - أحدد المؤسسين والرئيس التنفيذي لشركة InnovEngine للتدريب والاستشارات في ت...

المزيد من المقالات أو الأخبار بواسطة م. هاني المنيعي

مواضيع متعلقة

اكتب تعليقاً